السيد كمال الحيدري
30
روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية)
وإنّما ورد ما يشير إلى ضرورة استحضار تمام رسوم العبادة ، والتي منها قصد الله تعالى وحده في العبادة في السرّاء والضرّاء ، ففي ذلك القصد تتحقّق أكمل مراتب الإخلاص ، فيكون قصد الغير - وإن كان أمراً مشروعاً - مخالفاً لتماميّة رسوم العبوديّة ، بل ذلك يعدّ في الرؤية العرفانيّة من سوء الأدب في حضرته تعالى ؛ لأنّه عزّ وجلّ مستحقٌّ للعبادة حتّى إن لم تكن هنالك جنّةٌ أو نارٌ . جديرٌ بالذكر أنّ كلَّ من قصد نيل الجنّة والخلاص من النار إنّما يقع ذلك منه عرضاً لا ذاتاً ؛ فهو قاصدٌ لوجه الله تعالى أوّلًا وبالذات ، وبهذا القصد والتوجّه يطمع بنيل الجنّة والخلاص من النار ، وإلّا لو كان القصد منحصراً بطلب الجنّة والخلاص من النار فإنّه لا تقع منه عبادةٌ ؛ لأنّ أصل العبادة قصد وجه الله تعالى . ولعلّ هذا ما عناه العلّامة الحلّيّ ( قدس سره ) من قطع الأصحاب بأنّ قصد غاية الثواب والعقاب مفسدٌ للعبادة « 1 » ؛ لأنّه لم يقع منه قصد وجه الله تعالى ، وأمّا لو وقع منه ذلك وامتزج قصده بطلب الجنّة والخلاص من النار فلا ضير عليه ، وعبادته صحيحةٌ ، وهذا ما التفت إليه الشهيد الثاني ( قدس سره ) حيث أجاب عن ذلك في قواعده قائلًا : « والظاهر أنّ قصدها مجزٍ ؛ لأنّ الغرض بها في الجملة ، ولا يقدح كون تلك الغايات باعثاً على العبادة ، أعني : الطمع ، والرجاء ، والشكر والحياء ؛ لأنّ الكتاب والسنّة مشتملان على المرهّبات : من الحدود ، والتعزيرات والذمّ ، والإيعاد بالعقوبات ؛ وعلى المرغّبات : من المدح والثناء في العاجل ، والجنّة ونعيمها في الآجل . . . » « 2 » .
--> ( 1 ) انظر : المسائل المهنّائيّة ، للعلّامة الحلّي : ص 29 ؛ ( مخطوطٌ بمكتبة السيّد الحكيم العامّة في النجف ، ضمن مجموعٍ برقم : 1107 ) . ( 2 ) القواعد والفوائد ( في الفقه والأصول والعربيّة ) ، تأليف الإمام أبي عبد الله محمّد بن مكّيّ العامليّ ( الشهيد الأوّل ) : ج 1 ، ص 77 . والغريب أنّ بعض الأعلام والمحدّثين قد نقلوا كلمة الشهيد الثاني حرفيّاً مع وقوع بعض التشويه في النقل ، ودون الإشارة له !